أبي منصور الماتريدي

460

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 85 إلى 99 ] وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ( 85 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ( 87 ) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 88 ) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ( 89 ) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ( 90 ) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 ) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 ) وقوله - عزّ وجل - : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . يحتمل بِالْحَقِّ : الحق الذي جعل لنفسه « 1 » على أهلها ، والحق الذي لبعض على بعض ، والحق : هو اسم كل محمود مختار من القول والفعل ، والباطل : اسم كل مذموم من القول والفعل . قال بعضهم : تأويله : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا شهودا لله « 2 » بالحق على أهلها . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا بِالْحَقِّ : أي : لم يخلقهما لغير شيء ؛ ولكن خلقهما للمحنة ؛ يمتحنهم بالعبادة فيها ، وإلى هذا ذهب الحسن . وقيل : خلقهما وما بينهما لأمر كائن ؛ أي : لعاقبة : للثواب أو الجزاء « 3 » ، لم يخلقهم للفناء خاصة ؛ ولكن للعاقبة ؛ لأن خلق الشيء للفناء خاصة عبث ؛ وهو ما قال : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ [ المؤمنون : 115 ] أخبر أن خلقهم لا للرجوع إليه ولا للعاقبة - عبث ، وقد ذكرنا هذا « 4 » فيما تقدم . وجائز أن يكون قوله : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ على الاحتجاج على أولئك لإنكارهم الساعة ، لوجهين : أحدهما : ما ذكرنا أنه لو لم تكن الساعة حصل خلقهما وما بينهما للفناء خاصة ؛ وخلق الشيء للفناء خاصة عبث باطل ؛ كبناء البناء للنقض خاصة لا لعاقبة تقصد - عبث . والثاني : أنه يكون في ذلك التسوية بين الأعداء والأولياء ، وفي الحكمة التفريق

--> ( 1 ) في أ : تسميته . ( 2 ) في أ : بشهود الله . ( 3 ) في ب : والجزاء . ( 4 ) في أ : وقد ذكرناهما .